|
|
||||
|
|
||||
|
قِصَصُ تَارِيخِيَةٌ للمَطْلوبِينَ... فارس بن أحمد آل شويل الزهراني |
||||
|
سعيد بن جبير وهربه لمدة 12 سنة من الحجاج بن يوسف الثقفي |
||||
|
|
||||
|
|
||||
|
بعد أن انتصر فاسق بني ثقيف (المُبير) الحجاج بن يوسف الثقفي على ابن الأشعث أراد الإنتقام من كل مَنْ ساند ابن الأشعث على الخروج عليه وهو الظالم الباطش الذي قال فيه عمر بن عبد العزيز رحمه الله: (لو جاءت كلُّ أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لرجحنا). وقال عنه الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء: (الحجاج أهلكه الله في رمضان سنة خمس وتسعين كهلاً وكان ظلوماً جباراً ناصبياً خبيثاً سافكاً للدماء وكان ذا شجاعة وإقدام ومكر ودهاء وفصاحة وبلاغة وتعظيم للقرآن قد سقت من سوء سيرته في تاريخي الكبير وحصاره لابن الزبير بالكعبة ورمية إياها بالمنجنيق وإذلاله لأهل الحرمين ثم ولايته على العراق والمشرق كله عشرين سنة وحروب ابن الأشعث له وتأخيره للصلوات إلى أن استأصله الله فنسبه ولا نحبه بل نبغضه في الله فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه وأمره إلى الله وله توحيد في الجملة ونظراء من ظلمة الجبابرة والأمراء). أما سعيد بن جبير رحمه الله فقال عنه الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء: (سعيد بن جبير ابن هشام الإمام الحافظ المقرئ المفسر الشهيد أبو محمد ويقال أبو عبد الله الأسدي الوالبي مولاهم الكوفي أحد الأعلام). وقال عنه ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية: (سعيد بن جبير الأسدي الوالي مولاهم أبو محمد ويقال أبو عبد الله الكوفي المكي من أكابر أصحاب ابن عباس كان من أئمة الإسلام في التفسير والفقه وأنواع العلوم وكثرة العمل الصالح رحمه الله وقد رأى خلقا من الصحابة وروي عن جماعة منهم وعنه خلق من التابعين يقال إنه كان يقرأ القرآن في الصلاة فيما بين المغرب والعشاء ختمة تامة وكان يقعد في الكعبة لقعدة فيقرأ فيها الختمة وربما قرأها في ركعة في جوف الكعبة وروى عنه أنه ختم القرآن مرتين ونصفا في الصلاة في ليلة في الكعبة وقال سفيان الثوري عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال: لقد مات سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه وكان في جملة من خرج مع ابن الأشعث على الحجاج فلما ظفر الحجاج هرب سعيد إلى أصبهان ثم كان يتردد في كل سنة إلى مكة مرتين مرة للعمرة ومرة للحج وربما دخل الكوفة في بعض الأحيان فحدث بها وكان بخراسان لا يتحدث لأنه كان لا يسأله أحد عن شيء من العلم هناك وكان يقول إن مما يهمني ما عندي من العلم وددت أن الناس أخذوه واستمر في هذا الحال مختفيا من الحجاج قريبا من ثنتي عشرة سنة ثم أرسله خالد القسري من مكة إلى الحجاج). يقول الذهبي رحمه الله في السير: (طال اختفاؤه فإن قيام القراء (أي العلماء) على الحجاج كان في سنة اثنتين وثمانين وما ظفروا بسعيد إلى سنة خمس وتسعين السنة التي قلع الله فيها الحجاج). قال ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية: (مقتل سعيد بن جبير رحمه الله قال ابن جرير: وفي هذه السنة (أي سنة 95هـ) قَتلَ الحجاجُ بن يوسف سعيدَ بنَ جبير وكان سبب ذلك أن الحجاج كان قد جعله على نفقات الجند حين بعثه مع ابن الأشعث إلى قتال رتبيل ملك الترك فلما خلعه ابن الأشعث خلعه معه سعيد بن جبير فلما ظفر الحجاج بابن الأشعث وأصحابه هرب سعيد بن جبير إلى أصبهان فكتب الحجاج إلى نائبها أن يبعثه إليه فلما سمع بذلك سعيد هرب منها ثم كان يعتمر في كل سنة ويحج ثم إنه لجأ إلى مكة فأقام بها إلى أن وليها خالد بن عبد الله القسري فأشار من أشار على سعيد بالهرب منها فقال سعيد والله لقد استحييت من الله مما أفر ولا مفر من قدره وتولى على المدينة عثمان بن حيان بدل عمر بن عبد العزيز فجعل يبعث من بالمدينة من أصحاب ابن الأشعث من العراق إلى الحجاج في القيود فتعلم منه خالد بن الوليد القسري فعين من عنده من مكة سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد بن جبر وعمرو بن دينار وطلق ابن حبيب ويقال إن الحجاج أرسل إلى الوليد يخبره أن بمكة أقواماً من أهل الشقاق فبعث خالد بهؤلاء إليه ثم عفا عن عطاء وعمرو بن دينار لأنهما من أهل مكة وبعث بأولئك الثلاثة فأما طلق فمات في الطريق قبل أن يصل وأما مجاهد فحُبس فما زال في السجن حتى مات الحجاجُ وأما سعيد ابن جبير فلما أوقف بين يدي الحجاج.....الخ) وأنقل هنا حوار سعيد بن جبير ولكن من كتاب وفيّات الأعيان لابن خلكان رحمه الله يقول: ( قال الحجاج: ما أسمك؟ سعيد: سعيد بن جبير. الحجاج: بل أنت شقي بن كسير. سعيد: بل كانت أمي أعلم باسمي منك. الحجاج: شقَيت أمك وشقيت أنت. سعيد: الغيب يعلمه غيرك. الحجاج: لا بد لك بالدنيا نارا تلظى. سعيد: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها. الحجاج: ما قولك في محمد؟. سعيد: نبي الرحمة وإمام الهدى. الحجاج: ما قولك في علي, أهو في الجنة أم هو في النار؟.. سعيد: لو دخلتها وعرفت من فيها, عرفت أهلها. الحجاج: ما قولك في الخلفاء؟. سعيد: لست عليهم بوكيل. الحجاج: فأيهم أعجب إليك؟. سعيد: أرضاهم لخالقي. الحجاج: فأيهم أرضى للخالق؟. سعيد: علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم. الحجاج: أحب أن تصدُقَني. سعيد: إن لم أحبك لن أكذبك. الحجاج: فما بالك لم تضحك؟. سعيد: وكيف يضحك مخلوق خلق من طين, والطين تأكله النار!!. الحجاج: فما بالنا نضحك؟. سعيد: لم تستو القلوب. ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والزبرجد والياقوت, فجمعه بين يديه. قال سعيد: إن كنت جمعت هذا لتتقي به فزع يوم القيامة فصالح وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت, ولا خير في شيء من الدنيا إلا ما طاب وزكا. ثم دعا الحجاج بالعود والناي, فلما ضرب بالعود ونفخ بالناي بكى سعيد. فقال: ما يبكيك؟ أهو اللعب؟. قال سعيد: هو الحزن, أما النفخ فذكرني يوما عظيما يوم ينفخ في الصور, وأما العود فشجرة قطعت من غير حق!! وأما الأوتار فمن الشاة تبعث يوم القيامة!!. قال الحجاج: ويلك يا سعيد. فقال: لا ويل لمن زحزح عن النار وأدخل الجنة. قال الحجاج: اختر يا سعيد أي قتلة أقتلك؟. فقال: اختر أنت لنفسك فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة. قال: أتريد أن أعفو عنك؟. فقال: إن كان العفو فمن الله, وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر. قال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه, فلما خرج ضحك فأخبر الحجاج بذلك فردوه إليه. وقال: ما أضحكك؟. فقال: عجبت من جرأتك علي الله وحلم الله عليك. فأمر بالنطع فبسط. وقال: اقتلوه. فقال سعيد: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين. قال الحجاج: وجهوا به لغير القبلة. قال سعيد: فأينما تولوا فثمّ وجه الله. قال الحجاج: كبوه على وجهه. قال سعيد: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى. قال الحجاج: اذبحوه. قال سعيد: أما أنا فأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله, خذها مني حتى تلقاني بها يوم القيامة, اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي). وذكر الذهبي رحمه الله في السير بسنده: (بلغني أن الحجاج لما ذكر له سعيد بن جبير أرسل إليه قائداً يسمى المتلمس بن أحوص في عشرين من أهل الشام فبينما هم يطلبونه إذا هم براهب في صومعته فسألوه عنه فقال: صِفوه لي فوصفوه فدلهم عليه فانطلقوا فوجدوه ساجدا يناجي بأعلى صوته فدنوا وسلموا فرفع رأسه فأتم بقية صلاته ثم رد عليهم السلام فقالوا: إنا رسل الحجاج إليك فأجبه قال: ولا بد من الإجابة قالوا: لابد فحمد الله وأثنى عليه وقام معهم حتى انتهى إلى دير الراهب فقال الراهب: يا معشر الفرسان أصبتم صاحبكم قالوا: نعم فقال: اصعدوا فإن اللبوة والأسد يأويان حول الدير ففعلوا وأبى سعيد أن يدخل فقالوا: ما نراك إلا وأنت تريد الهرب منا قال: لا ولكن لا أدخل منزل مشرك أبداً قالوا: فإنا لا ندعك فإن السباع تقتلك قال: لا ضير إن معي ربي يصرفها عني ويجعلها حرسا تحرسني قالوا: فأنت من الأنبياء قال: ما أنا من الأنبياء ولكن عبد من عبيد الله مذنب قال الراهب: فليعطني ما أثق به على طمأنينة فعرضوا على سعيد أن يعطي الراهب ما يريد قال: إني أعطي العظيم الذي لا شريك له لا أبرح مكاني حتى أصبح إن شاء الله فرضي الراهب بذلك فقال لهم: اصعدوا وأوتروا القسي لتنفروا السباع عن هذا العبد الصالح فإنه كره الدخول في الصومعة لمكانكم فلما صعدوا وأوتروا القسي إذا هم بلبوة (أنثى الأسد) قد أقبلت فلما دنت من سعيد تحكَّكت به وتمسحت به ثم ربضت قريباً منه وأقبل الأسد يصنع كذلك فلما رأى الراهب ذلك وأصبحوا نزل إليه فسأله عن شرائع دينه وسنن رسوله ففسر له سعيد ذلك كله فأسلم وأقبل القوم على سعيد يعتذرون إليه ويقبلون يديه ورجليه ويأخذون التراب الذي وطئه فيقولون يا سعيد حلفَّنا الحجاج بالطلاق والعتاق إن نحن رأيناك لا ندعك حتى نشخصك إليه فمرنا بما شئت قال: امضوا لأمركم فإني لائذ بخالقي ولا راد لقضائه فساروا حتى بلغو واسطا فقال سعيد: قد تحرمت بكم وصحبتكم ولست أشك أن أجلي قد حضر فدعوني الليلة آخذ أهبة الموت واستعد لمنكر ونكير وأذكر عذاب القبر فإذا أصبحتم فالميعاد بيننا المكان الذي تريدون فقال بعضهم: لا تريدون أثرا بعد عين وقال بعضهم: قد بلغتم أمنكم واستوجبتم جوائز الأمير فلا تعجزوا عنه وقال بعضهم: يعطيكم ما أعطى الراهب ويلكم أما لكم عبرة بالأسد ونظروا إلى سعيد قد دمعت عيناه وشعث رأسه واغبر لونه ولم يأكل ولم يشرب ولم يضحك منذ يوم لقوه وصحبوه فقالوا: يا خير أهل الأرض ليتنا لم نعرفك ولم نسرح إليك الويل لنا ويلا طويلا كيف ابتلينا بك اعذرنا عند خالقنا يوم الحشر الأكبر فإنه القاضي الأكبر والعدل الذي لا يجور قال: ما أعذرني لكم وأرضاني لما سبق من علم الله فيَّ فلما فرغوا من البكاء والمجاوبة قال كفيله: أسألك بالله لما زودتنا من دعائك وكلامك فإنا لن نلقى مثلك أبدا ففعل ذلك فخلوا سبيله فغسل رأسه ومدرعته وكساءه وهم محتفون الليل كله ينادون بالويل واللهف فلما انشق عمود الصبح جاءهم سعيد فقرع الباب فنزلوا وبكوا معه وذهبوا به إلى الحجاج وآخر معه فدخلا فقال الحجاج: أتيتموني بسعيد بن جبير قالوا: نعم وعاينا منه العجب فصرف بوجهه عنهم فقال: أدخلوه علي فخرج المتلمس فقال (لسعيد) أستودعك الله وأقرأ عليك السلام فأدخل عليه فقال: ما اسمك قال سعيد بن جبير: قال: أنت شقي بن كسير............وأورد القصة التي أوردها ابن خلكان). وقال أيضاً رحمه الله في سِيَره: (عن داود بن أبي هند قال: لما أخذ الحجاج سعيد بن جبير قال: ما أراني إلا مقتولا وسأخبركم: إني كنت أنا وصاحبان لي دعونا حين وجدنا حلاوة الدعاء ثم سألنا الله الشهادة فكلا صاحبي رزقها وأنا أنتظرها قال فكأنه رأى أن الإجابة عند حلاوة الدعاء قلت: ولما علم من فضل الشهادة ثبت للقتل ولم يكترث ولا عامل عدوه بالتقية المباحة له رحمه الله تعالى). |
||||
|
|
||||